خبر عاجل

العنتريات الامريكية ومقاتلة العالم

العنتريات الامريكية ومقاتلة العالم

نشر السبت 12 اغسطس, 2017 في تمام الساعة 14:28

 

     pelest news * موقع بيلست الاخباري

 

 

 

العنتريات الامريكية ومقاتلة العالم

 

الدكتور بهيج سكاكيني

11/8/2017

 

من الواضح أن الولايات المتحدة وادارتها التي أصبحت تخضع بالكامل كما هي العادة لسيطرة البنتاغون والمحافظين الجدد المتعطشين للحروب لصالح المجمع الصناعي العسكري وشركات الطاقة العملاقة، أنها تقف على شفى الهاوية وتريد أن تفتح حربا على الجميع في محاولة يائسة لإعادة عقارب الساعة الى الوراء عندما كانت تسرح وتمرح دون رادع لمدة ما يقرب من الربع قرن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك جمهورياته في مطلع تسعينات القرن الماضي.

الولايات المتحدة هددت وتهدد كوريا الشمالية وهذا ليس بالأمر الجديد وإن كانت تعزي ارسال الغواصات والمدمرات الامريكية الى مياه شبة الجزيرة الكورية لتقوم بالمناورات العسكرية واستعراض قوتها العسكرية الى تجارب الصواريخ البالستية التي تقوم بها كوريا الشمالية. كما وقامت بتركيب منظومة "ثاد" المضادة للصواريخ على أراضي كوريا الجنوبية وفرضت مؤخرا مزيدا من العقوبات خارج إطار مجلس الامن. وهذه التهديدات لن تثني القيادة في كوريا الشمالية عن التراجع عن برنامجها الصاروخي والنووي لان بيونغ يانغ ترى في تطوير قدرتها الصاروخية العابرة للقارات والتي تحمل رؤوس نووية هي الطريقة الوحيدة التي تستطيع بها هذه الدولة الفقيرة من ردع الولايات المتحدة عن العدوان عليها على غرار ما حدث في الفترة الواقعة 1950-1953 عندما قامت الطائرات الامريكية بالقصف السجادي على مدار الساعة لكوريا الشمالية مما أدى الى التدمير الكامل لكل البنى التحتية والمناطق السكنية وقتل مئات الالاف من السكان المدنيين. وما زالت هذه المأساة البشرية البشعة والمسؤول عنها محفورا في ذاكرة سكان كوريا الشمالية.

وبغض النظر عما تقوله الصحافة الغربية التي تحاول أن تشيطن رئيس كوريا الشمالية وتصفه بكل العبارات التي تحاول من خلالها أن تثير الرأي العام الغربي ضده لتبرر أي عدوان مباشر على كوريا الشمالية كما فعلت في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا على سبيل المثال لا الحصر.

 ما تبتغيه كوريا الشمالية ورئيسها هو ما تريده أية قوة نووية الا وهو أن تمتلك القوة الكافية لتردع أي عدو من الهجوم عليها. والولايات المتحدة لديها خياريين الان إما أن تقبل بكوريا الشمالية كقوة نووية وإما أن تقوم بعدوان عسكري مباشر ومكثف لتدمير الأخضر واليابس على غرار ما فعلته عام 2003 على العراق. وهذا ما يهدد به رجال العسكر الأمريكي. وفي معرض عرض العضلات قامت بعض الطائرات ب-12 القاذفة الامريكية بالتحليق في أجواء شبه الجزيرة الكورية وصرح قائد السلاح الجوي الأمريكي في المنطقة بأن قواته على أتم الاستعداد لضرب كوريا الشمالية " بسرعة، وقوة تدميرية مكثفة". " سيواجهون بالنار والغضب وبقوة لم يشهدها العالم مثيلا لها من قبل" هذا آخر تصريح للرئيس الأمريكي. وهذا التصريح الاهوج والغير مسؤول يأتي في الذكرى 72 عاما على استخدام أمريكا القنبلة الذرية على هيروشيما وناجازاكي في اليابان وما أحدثته من تدمير البشر والحجر والتي ما زالت أثارها الاشعاعية حية ليومنا هذا. وهذا استدعى كوريا الشمالية بالتهديد للقيام بضربة صاروخية استباقية على القاعدة الامريكية في جزيرة غوام التي من الممكن أن تخرج منها القاذفات الامريكية الضخمة لتقوم بقصف سجادي للأراضي الكورية.

 وهذه التهديدات تأتي في الوقت أيضا الذي صرح به رئيس وزراء اليابان بأن الرئيس ترامب تعهد له بأنه "سيتخذ كافة الإجراءات" لحماية حلفاء الولايات المتحدة. وفي احدى تغريداته على التويتر كتب ترامب معبرا عن شعوره بالاحباط في فشل الصين عن فعل شيء تجاه الازمة الكورية " انهم لا يفعلون شيء لنا، فقط يتحدثون. لن نسمح بهذا أن يستمر. الصين قادرة على حل المشكلة."  " كما وأن السيدة هيلي مندوبة أمريكا في الأمم المتحدة هددت بالقول " ان زمن الحديث قد إنتهى".  ويبقى السؤال هل ستقوم الولايات المتحدة بهذه المغامرة العسكرية وتعرض أمن وسلامة حلفائها في تلك المنطقة بإشعال حرب نووية مهما كانت محصورة؟ وربما السؤال الأهم هل تعير الولايات المتحدة فعلا أهمية لأمن حلفائها؟ فهنالك أصوات تقول إن من مصلحة أمريكا أن تتخلص من اليابان وكوريا الجنوبية للتخلص من المنافسة الاقتصادية لهذه الدول على الساحة العالمية لها.

أمريكا تستغل هذه الازمة التي تفتعلها بين الفترة والأخرى وتصعد من النزاع في تلك المنطقة لتبرر وجودها في المنطقة وتبرر زيادة قواتها وقطعاتها البحرية الى جانب نصب منظومة "ثاد" المضادة للصواريخ وهذا يعني الاقتراب أكثر من الصين ومحاولة السيطرة على الطرق البحرية مما يهدد التجارة البحرية الصينية الى جانب تهديد الخطوط البحرية الهامة لاستيراد الطاقة وبالتالي تهديد أمن الطاقة الصيني. ومن هنا فإن التهديد لكوريا الشمالية يجب اعتباره على أنه تهديد موجه للصين ولروسيا في آن واحد، وهو يدخل ضمن الصراع القائم على الساحة الدولية والتي يشير بشكل واضح على تداعي بنيان نظام القطب الواحد العالمي.

الجميع يدرك الان بكل وضوح ان كوريا الشمالية ليست الدولة الوحيدة التي تنظر اليها المؤسسة الامريكية بأنها عدوة للولايات المتحدة بل أن هذا يمتد ليشمل كل من الصين وروسيا وإيران. وهذا يتضح من مشروع العقوبات التي أقرها الكونغرس الأمريكي بأغلبية ساحقة من الأصوات التي شملت روسيا وإيران وكوريا الشمالية في آن واحد. وكما أشرنا في مقال سابق فإن العقوبات الجديدة التي فرضت على روسيا لم تكن موجهة على روسيا فقط بل على دول الاتحاد الأوروبي أيضا التي تربطها بروسيا علاقات اقتصادية وخاصة في مجال الطاقة. هذه العقوبات طبعا لم تمر مر الكرام واستدعت ردود فعل روسية على المستوى الدبلوماسي والاقتصادي. ومن الخطأ النظر الى أن هذه العقوبات الاقتصادية والسياسة العدائية لروسيا الهادفة الى تحجيم دورها على الساحة الدولية بالأمر الجديد كما يعتقد البعض. فالحرب الباردة لم تنتهي بإنتهاء وتفكك الاتحاد السوفياتي الا لتبدأ الحرب الباردة الثانية وذلك في محاولة لمنع عودة روسيا الى قوتها ومكانتها التي تستحقها على الساحة العالمية. فلقد أبقت الولايات المتحدة على حلف الناتو بالرغم من تململ بعض الدول الأوروبية التي لم ترى أية حاجة اليه بعد الغاء حلف وارسو وعدم وجود أي تهديد لأمنها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية. وضمت العديد من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة الى عضويته ونشرت القواعد العسكرية على أراضي الدول المحيطة بروسيا كما وتم نشر منظومات الدرع الصاروخي والقيام "بالثورة الملونة" في أوكرانيا للوصول الى حدود روسيا.

والعقوبات أيضا شملت إيران بسبب برنامجها الصاروخي على الرغم من أن هذه الصواريخ الباليستية لا تخالف نصوص الاتفاقية التي وقعت مع الدول الكبرى التي تمنع الصواريخ التي من الممكن ان تحمل رؤوس نووية. وإدارة ترامب الى جانب رجال الحرب في البنتاغون والمؤسسة الحاكمة تدفع في اتجاه التخريب على الاتفاقية الموقعة بشأن البرنامج النووي الإيراني وبالرغم من إعتراف هذه الإدارة المتخبطة أن إيران ملتزمة بنصوص الاتفاقية. ولقد شهدت الأسابيع والأيام القليلة الماضية نوع من الاحتكاك والاستفزازات الامريكية في المياه والأجواء الخليجية وذلك بالاقتراب من الشواطئ والأجواء الإيرانية مما يزيد من احتمال نشوب صدام ولو بشكل محدود. ولقد أعقب هذا الاستفزاز الواضح من قبل القوات الامريكية المتواجدة في الخليج ردود فعل نارية من قبل القيادة العسكرية والسياسية الإيرانية وأنها على أتم الاستعداد للرد وبقوة على اية اعتداء أمريكي على الأراضي الإيرانية.

 وبالرغم من الغطرسة الامريكية فإننا لا نرى أن الولايات المتحدة في موقع لشن عدوان عسكري مباشر على إيران وأن كل هذه العربدة الامريكية ما هي الا فقاعات لا معنى لها وخاصة وأن الدول الاوروبية التي وقعت الاتفاقية لا تشاطر الإدارة والمؤسسة الامريكية رأيها وهي على غير استعداد للانجرار وراء المواقف الامريكية المغامرة. والبعض يتساءل ساخرا " إذا كان الكونغرس الأمريكي عازما على مجابهة الشر الذي هو إيران فلماذا لا يقوم بإلغاء تعاقد إيران لشراء 140 طائرة من شركة بوينغ الامريكية؟" الشركات الأوروبية ستكون فرحة بذلك لان ذلك يعني زيادة حصتها من الصفقات التجارية والاستثمارات مع إيران. العقوبات التي فرضت على إيران وروسيا من شأنها أن تزيد من تقاطع المصالح الإيرانية الروسية والعمل على مقاومة الغطرسة الامريكية وليس بالعكس وهذا فعلا ما نراه على أرض الواقع. وهنالك خطوات حثيثة لهذه الدول للخروج من النظام المالي الدولي الأمريكي.

والذي يبدو أن الدور سيأتي على الصين قريبا. وهنالك تصريحات من مسؤولين في الولايات المتحدة تشير الى ذلك. فقد أبدى وزير التجارة الأمريكي امتعاضه من وجود فجوة كبيرة في التجارة مع الصين. أما ترامب فقد عبر عن استيائه من الصين في احدى تغريداته " أن رؤساء أمريكا السابقين الاغبياء سمحوا لهم (أي للصينيين) ان يكسبوا مئات البلايين من الدولارات سنويا من التجارة". أما مايكل كولن وهو أحد كبار المحللين في المخابرات المركزية الامريكية فقد صرح بأن التصميم والثقة المتنامية للصين تعود الى عدم اتخاذ أية إجراءات ضدها على مدى السنوات الماضية أصبحت تشكل مصدر قلق لواشنطن. وهو مقتنع بأن الصين تشكل خطرا أكبر للولايات المتحدة عن روسيا. ومن وجهة نظر سي أي ايه فإن " الصين تعمل على تقويض النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة والذي جاء بالسلام والاستقرار في آسيا خلال 40 سنة الماضية. وأن الصين تسعى لانتزاع القوة والتأثير الأمريكي في المنطقة".

وبحسب مدير المخابرات المركزية الامريكية مايك بومبيو فان الصين لديها القدرة على أن تشكل منافسا أكبر للولايات المتحدة من إيران أو روسيا على المدى المتوسط والبعيد. وإذا ما أخذت هذه التصريحات بمجملها لن يستغرب المرء في أن يرى نوع من العقوبات القادمة على الصين. وهذه قد تشمل قيودا على التجارة مع الصين الى جانب عقوبات إقتصادية أخرى.

هذه العربدة والعنجهية الامريكية لا تقتصر على كوريا الشمالية وإيران وروسيا والصين بل إنها تمتد لتشمل العديد من المناطق في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن والصومال وفنزويلا والفلبين وأكثر من30 دولة أفريقية وأوروبا والقائمة تطول. الولايات المتحدة لديها ما يقرب من 200000 جندي موزعين على أراضي 177 دولة في العالم ومتواجدين في مئات القواعد العسكرية المقامة على أراضي هذه الدول.

المؤسسة الامريكية الحاكمة من البنتاغون الى أجهزة المخابرات والمجمع الصناعي العسكري وشركات الطاقة العملاقة العابرة للقارات تشعر بأن البساط بدأ ينسحب من تحت أقدامها مع بروز قوى وتكتلات اقتصادية وسياسية على الساحة العالمية وأن هذه القوى الجديدة تهدد هيمنتها وسلطتها على الساحة الدولية وهي التي صالت وجالت بها لأكثر من ربع قرن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. والذي يبدو أن هنالك قوى داخل المؤسسة الامريكية التي تبدي استعدادا لأخذ العالم الى حرب نووية مدمرة كوسيلة لإعادة عجلة التاريخ الى الوراء غير آبهة بحجم الدمار الذي يمكن أن تحدثه للبشرية جمعاء.  ومن هنا تأتي ضرورة الوقوف أمام هذا التوجه المدمر على المستوى الشعبي في العالم الى جانب داخل الولايات المتحدة.

 ولا بد لنا في النهاية الا أن نشير الى أن الموقف الروسي والصيني مؤخرا في مجلس الامن الدولي بالتصويت على وضع مزيد من العقوبات على كوريا الشمالية التي دعت اليه الولايات المتحدة هو موقف خاطئ فكلاهما يدركان ومن تجارب سنوات أن العقوبات لن تؤدي الى أية حلول سياسية التي من الممكن أن تنزع فتيل التصعيد وتحقق الاستقرار بل على العكس تماما. وهذا ما نشهده الان في منطقة شبه الجزيرة الكورية والتي يمكن أن تؤدي الى حرب إبادة في تلك المنطقة. وهو ما عبر عنه صراحة وبوقاحة متناهية ودون شعور بأية مسؤولية فقد حذر كوريا الشمالية من مخاطر أي عمل " قد يؤدي الى القضاء على النظام وتدمير شعبه".