لم تعد التصريحات الهوجاء التي تُطلقها إسرائيل بين الفينة والأخرى حول توطين الفلسطينيين أو إقامة دولة فلسطينية مُستغرَبة، فتارة تدعو إلى وطن بديل في الأردن وتارة إلى التوسّع في حدود قطاع غزّة جنوباً نحو شبه جزيرة سيناء المصرية وتارة أخرى إلى توطين الفلسطينيين في أماكن تواجدهم، والتي كان آخرها تصريحات وزيرة المساواة الاجتماعية في حكومة الاحتلال الإسرائيلي غيلا غامليئيل وهي من حزب الليكود الحاكم التي دعت فيها إلى إقامة دولة فلسطينية في سيناء، زاعمة أن الدولة الفلسطينية فكرة خطيرة على إسرائيل ومن المستحيل إقامة دولة فلسطينية بين نهر الأردن والبحر المتوسّط. فتلك التصريحات تُعيد إلى أذهاننا تصريحات إيغال آلون وغيورا أيلاند لإقامة دولة فلسطينية تضم قطاع غزّة وسيناء المصرية.
الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي يُعدّ الأطول في تاريخ الصراعات التي شهدتها المنطقة بل والأعنف في التنكّر لحقوق الشعوب ولا سيما الشعب الفلسطيني وسرقة خيراته من دون الاهتمام بمصيره ومواصلة القتل والتنكيل والتهجير والاعتقال والترهيب.
إن الحلول المطروحة إقليمياً ودولياً للوصول إلى حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي تحت ما يُعرف بـ "صفقة القرن"، أسقطت حق العودة للاجئين الفلسطينيين والتعامل مع قضية اللاجئين بمنحهم الجنسية الفلسطينية وحق المواطنة في الدولة الفلسطينية العتيدة، إضافة إلى تحديد حدود هذه الدولة وتضم قطاع غزّة إضافة إلى 40% من مساحة الضفة الغربية (تضم المناطق المُصنّفة "أ" و "ب" ) من دون القدس عاصمة لها، على أن يقام ميناء بحري ومطار في غزّة وتأهيل البنية التحتية وإقامة مناطق صناعية ومدن جديدة ، ويتم التواصل بين الضفة الفلسطينية وغزّة عبر ممر آمن أو قطار سريع.
ولعلّ تصريحات الوزيرة الليكودية عن توطين الفلسطينيين هي محاولة بائِسة لخلط الأوراق في استغلال واضح للأحداث الجارية في شبه جزيرة سيناء ، والنار المشتعلة في أكثر من دولة عربية واستمرار بناء التحالفات الجديدة بين العرب و"إسرائيل" بقيادة المملكة العربية السعودية لصدّ التمدّد الإيراني في المنطقة. فالتسريبات الأخيرة عن الضغوطات التي يتعرّض لها الرئيس محمود عباس بُعيد زيارته إلى السعودية وتخييره بين التوقيع على صفقة القرن أو الاستقالة ، والتي سبقها وصول جاريد كوشنر مستشار الرئيس الأميركي إلى المملكة للضغط على الفلسطينيين للعودة إلى المفاوضات مع إسرائيل من دون أية شروط مُسبقة والقبول بصفقة القرن، والتي أكّدها أكثر من مسؤول فلسطيني.
وأمام هذه الحلول الاقليمية والدولية، ومحاولة إيجاد حلول لصفقة القرن في ظلّ الحديث عن عقد مؤتمر اقليمي لحلّ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي تكون عناوينه التطبيع العربي مع "إسرائيل" بديلاً عن المؤتمر الدولي برعاية الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي ، وتطبيق قرارات الشرعية الدولية، فلا بدّ للفلسطينيين بكافة أماكن تواجدهم من تسليط الضوء على الخطر المُحدق بقضيتهم ورفع الصوت عالياً للتمسّك بحق العودة إلى الديار والممتلكات ، والتمسّك بقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بقضيتهم وفي مقدّمها القرار 194 وما فسّرته اللجنة القانونية في الأمم المتحدة، والتحذير من أية محاولة للالتفاف على هذا الحق أو تفريغه من مضمونه باعتباره حقاً مقدساً لا يمكن التنازل أو المساومة أو التفريط به.
المطلوب اليوم قبل الغد، الشروع بمراجعة فلسطينية شاملة لـقرابة 70 عاماً من عُمر النكبة إلى يومنا هذا، وما طرأ من تغيير في السياسة الفلسطينية خلال خمسة عقود من النضال الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي ومشاريعه التوسّعية الاستعمارية وسياسة التمييز العنصري والأبارتهايد وسواها من الجرائم والإرهاب المنظّم، والتأكيد على وقف المفاوضات الثنائية العقيمة والعبثية ورفض الضغوط والاشتراطات الأميركية والإسرائيلية الهادفة إلى الالتفاف على حقوق شعبنا، وكذلك طيّ صفحة مشروع أوسلو وغيره من المشاريع البديلة للبرنامج الوطني الفلسطيني، والعمل بدلاً من ذلك بموجب نتائج وقرارات الحوارات والمؤسّسات الوطنية، والدعوة إلى مؤتمر دولي تحت إشراف الأعضاء دائمي العضوية في مجلس الأمن الدولي، لوضع الآليات والإجراءات العملية لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، والتقدّم بطلب العضوية العامِلة لدولة فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي أقرّ لها العضوية المراقبة، ومواصلة تنسيب دولة فلسطين إلى المؤسّسات والوكالات الدولية كافة، كعضو فاعِل في المجتمع الدولي وتحت سقف الشرعية الدولية، والمطالبة بتأمين الحماية الدولية لشعبنا، وتفعيل الشكاوي المُعطّلة في محكمة الجنايات الدولية ضد المسؤولين الإسرائيليين.
وأمام هذه السنوات الطوال، المطلوب، إعادة تقديم قضية شعبنا إلى الرأي العام العالمي، قضية تحرّر وطني عادلة لشعب تحت الاحتلال والحصار والتهجير والتمييز العنصري، تستدعي تسريع خطوات إنهاء الانقسام وتطبيق اتفاق المصالحة، وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، والعمل ببيان القاهرة في 22/11/2017، لمواجهة الاستحقاقات السياسية القادمة.