هناك مقولة مشهورة تقول أن "من لا يدرس التاريخ يعيش أحداثه مرة أخرى." مقولة أخرى مشابهة تقول أن "التاريخ يعيد نفسه ." كلا المقولتين كاذبتان . فحركة التاريخ لولبية ؛ الى الأمام والى الأعلى ، وليست دائرية . تُستعمل هاتان المقولتان للتمويه ولتبرير إعتداءات القوى الإستعمارية الإحتلالية التي تُعيد استخدام نفس أساليب الإحتلال والسياسات القمعية التي أثبتت نجاحها في الماضي .
 
الحروب أكثر الأعمال (Business) التي تدر أرباحاً طائلةً على الشركات الكبرى وعلى كثير من رجال الأعمال ورجال السياسة الذين نسميهم أغنياء حرب . عامة الناس ، بشكل إجمالي ، تريد العيش بسلامٍ ولا تريد خوض الحروب . ولذلك فأول خطوة يقوم بها السياسيون تجاه أي حرب هي غسيل دماغ جماعي للجمهور لبث الكراهية والعداوة تجاه البلد المراد غزوه ، محاولاً إقناع الجمهور بأن ذلك البلد يشكل خطراً مميتاً على الوطن . ويستشهد السياسيون بتبريراتٍ للقيام بحروبٍ استباقيةٍ لغزو ذلك البلد مثل بناء أسلحة دمارٍ شامل ، إنقاذ مواطني ذلك البلد من حكمٍ دكتاتوري ظالم ، نشر أيدولوجيات وفكر إنساني مثل نشر ديانة تسامح أو نشر الحريات والديمقراطية من أجل المحافظة على السلام العالمي . وبالطبع تعطي قوى الإستعمار نفسها حق امتلاك واستعمال أسلحة الدمار الشامل لتحقيق هذه الأهداف "النبيلة". ولا تتردد قوى الإستعمار بالقيام بأعمال إرهابٍ تمويهية (false flag terror attacks) ضد شعوبهم لتأجيج المشاعر ولتبرير إرسال الجيوش لغزو بلاد أخرى .
 
عند دراسة الحركات الإستعمارية نلاحظ تكرار نماذج معينة من الحوادث . تحت إدعاءات كاذبة بتبني قضايا "وطنية" أو "إنسانية" أو "دينية" تقوم بلدٌ قوية عسكرياً بإرسال جيوشها لاحتلال بلدٍ آخر ضعيف عسكرياً ولكن غنيٌ بالموارد الطبيعية أو يمتلك موقعاً عالمياً إستراتيجيا هاما . يقوم المحتل بتدمير نظام الحكم المحلي ومؤسساته وإبدالها بنظامٍ عسكري . ويقوم بقمع الشعب المحلي ونشر الفساد لإضعاف النسيج العائلي والإجتماعي المحلي . ثم يقوم بتعيين بعض المفسدين في وظائف حكومية ليكونوا أداة قمعٍ لشعبهم ، ويصبح هؤلاء سداً حاجزاً بين المحتل والشعب وهدفاً أولياً يمتص غضب وثورة الشعب .
 
بعد نضال طويل يحصل الشعب على استقلاله ولكن بعد تدمير وإضعاف بنيته التحتية واقتصاده المحلي . وكثيراً ما يستطيع الإحتلال قبل انسحابه من دعم نظام حكم جديد ضعيف يصبح تابعاً له بالفعل ولكن مستقل في الشكل . ويقوم المحتل بتقديم ما قد يسميه مساعدات مالية إقتصادية لإعادة بناء البلد ولتقوية اقتصاده . ولكن نظام الحكم الجديد الذي يعتمد في ميزانيته على المساعدات المالية الأجنبية لا يكون إلا عبداً يطبق إملاءات البلد الأجنبي لتدر الأرباح للأجنبي على حساب الشعب المحلي .
 
ظهرت مؤخراً في التاريخ الحديث حركة استعمار جديدة ؛ الإستعمار الإستيطاني ، حيث يتخذ مستعمرون مهاجرون البلد المحتل وطناً جديداً لهم على حساب الشعب الأصلي . فيقوم المهاجرون بتبديل نظام الحكم وبالقيام بمجازر جماعية وبتطهيرٍ عرقيٍ ضد الشعب الأصلي وبتدمير مدنهم لسرقة أراضيهم وممتلكاتهم لإقامة مستعمراتٍ خاصةٍ لهم ولبناء مجتمعاتٍ جديدة ، وفي النهاية يغيرون اسم البلد لتصبح بلداً جديدة لهم .
 
تُعتبر الولايات المتحدة الأميركية أوضح نموذجٍ لهذا الاستعمارالاستيطاني . فقد لقب المستعمر الأوروبي القارتين الأميركيتين "بأرض الميعاد الجديدة" التي يسكنها هنودٌ متوحشون كافرون ، ونادوا بشعار "الهندي الجيد هو الهندي الميت" . وشجعت الكنيسة استعمار القارتين تحت شعار نشر الدين المسيحي لتهذيب الكفار المتوحشين ، في حين كان الهدف الحقيقي هو احتلال البلاد وسرقة خيراتها . فتم ذبح شعوب أميركا الأصليين – مائة مليون منهم : أفظع هولوكوست - كما تم خطف أبنائهم وزجهم في سجونٍ أسموها مدارس ومياتم لتحويلهم الى مسيحيين متحضرين . فقاموا بحرمانهم من حضاراتهم وتراثاتهم الأصلية وخلعوا عنهم أسماءهم الأصلية ليعطوهم أسماء توراتية غريبه عنهم لا تعني شيئاً بالنسبة لهم . وقد عانى الملايين من هؤلاء الأطفال من الاغتصاب الجنسي والتعذيب الجسدي والنفسي الذي أدى الى موت الآلاف منهم كما أظهرت القبور الجماعية التي تم اكتشافها في هذه المدارس خاصة في الولايات الأميركية وفي كندا .
 
كان آباء أميركا المؤسسين (the founding fathers)، كما تسميهم كتب تاريخهم ، من أشرس المستوطنين العسكريين الذي استوطنوا في البدأ الشواطئ الشرقية للقارة الأميركية . ثم بدأوا بالزحف غرباً مرتكبين أفظع المجازر ضد السكان الأصليين مغتصبين أراضيهم ومدمرين الغابات الخضراء لبناء مستعمراتهم الى أن وصلوا الى السواحل الغربية للقارة.
 
وقام المهاجرون المستوطنون بإفساد النسيج العائلي والإجتماعي للشعوب الأصلية التي كان الكثير منها يتمتع بنظام نسوي ديمقراطي ، حيت كانت المرأة تلعب دوراً هاماً في أنظمة الحكم ، فقد نشر المستوطنون أمراضهم الإجتماعية مثل الإدمان على الكحول (المياه النارية fire water) ، واستخدموا الأسلحة البيولوجية للقضاء على مجتمعات كاملة للسكان . كما قام المستوطنون بخلق وبتشجيع الكراهية والتفرقة والحروب بين الشعوب الأصلية ، وقاموا ببيعهم الأسلحة ليقتلوا بعضهم بعضاً ، وفي النهاية قاموا بالقضاء على من بقي واقفاً منهم . أما هؤلاء الذين لم يستطيعوا القضاء عليهم فقد ساقوهم كالقطيع الى أماكن قافرة وعزلوهم في سجون كبيرة أسموها "محافظات للهنود Indian Reservations"
 
على خراب شعوب أميركا الأصليين قامت الولايات المتحدة الأميركية بأمة مهاجرين تحكمهم إدارات فدرالية سياسية تبنت نظام حكم ديمقراطي مزيف ومٌفَبرك (ألقبه بدكتاتورية الديمقراطية) يتنقل فقط ما بين حزبين سياسيين ؛ الديمقراطيين والجمهوريين ، كلاهما يتبع سياسة استمرارية الحروب مرسلين جيوشهم قوية التسليح الى حروب في مختلف بقاع العالم تعود بالربح على الشركات الكبيرة فقط على حساب الأجيال الجديدة ودمار حضارات وشعوب عديدة .
 
وكما عانت الشعوب الأميركية الأصلية في الماضي كذلك يعاني العالم العربي من الصهيونية ، وهي حركة استعمارٍ إستيطانيٍ خطير . فتحت تبريرات الخرافات التلمودية "أرض الميعاد الإلهي" كموطنِ آمنِ "لشعب الله المختار" من حركات الإضطهاد ومعاداة السامية (الأمراض العقلية للأغيار كما يدعون ) قامت الحركة الصهيونية الإستعمارية بدفع اليهود الى الهجرة الى فلسطين . فقد قامت الحركة الصهيونية العالمية ، ذات النفوذ السياسي الكبير بسبب ثرائها الفاحش ، بالتخطيط وبالتنفيذ لأسباب ولسير ولنتائج الحربين العالميتين ، واستغلت وسائل الإعلام لنشر تلفيقات الهولوكوست المزعوم ولتخويف اليهود من هولوكوست جديد لإقناعهم بالهجرة وبالإستيطان في فلسطين ؛ أرض الميعاد التي وهبها لهم إلههم يهوه .
 
بسبب وعد بلفور البريطاني والتهديد والوعيد الأميركي لبعض دول الأعضاء في الأمم المتحدة قام مجلس الأمن بتبني قرار 181 عام 1947 بتقسيم فلسطين معطياً الأقلية اليهودية 42% من الأراضي الفلسطينية . رفضت الدول العربية هذا القرار وأرسلت جيوشها لحماية الفلسطينيين . لكن الجيش الصهيوني (الهاجاناHagana) ذو التسليح الأقوى ، والمكون من عصابات الإرغون وشتيرن الإرهابية(Irgun & Stern) تمكن من هزيمة الجيوش العربية ضعيفة التسليح وقليلة الخبرة العسكرية ، واحتل المزيد من الأراضي الفلسطينية . واقترفت العصابات الصهيونية عدة مجازر ضد المدنيين الفلسطينيين ، ودمرت أكثر من 750 بلدة فلسطينية عن بكرة أبيها ، وقامت بتطهيرٍ عرقي لـما يقرب من 800،000 فلسطيني طُردوا من وطنهم الى مخيمات لاجئين . وفي 1948 أعلن المستعمرون الإستيطانيون الصهيونيون إنشاء دولة إسرائيل بدل فلسطين .
 
الفلسطينيون جزء من الأمة العربية . ويكوّن عرب الشرق الأوسط والشمال الإفريقي أمةً موحدةً باللغة وبالحضارات منذ ألف عام رغم الإحتلال العثماني في الشرق الأوسط العربي الذي دام 400 عام في المدة الأخيرة . بعد الحرب العالمية الأولى غدرت بريطانيا بالثورة العربية الكبرى ضد الإمبراطورية العثمانية ، وتآمرت مع فرنسا لإفشال قيام دولة عربية موحدة بإتفاق سايكس-بيكو الذي قسم الوطن العربي الى دويلات صغيرة . ثم قاموا بتعيين رؤساء تابعين لسياسة الغرب للسيطرة على هذه الدول . أصبحت الأمة العربية بعدها مقسمةً ومختلفةً ؛ فهناك الفلسطيني والأردني والمصري واللبناني والعراقي والسوري ... الخ ، كل له طموحه المختلفة حسب الدولة التي يعيش فيها .
 
حاجة الكيان الإسرائيلي الى المزيد من الموارد الطبيعية دفعتهم لخوض حربٍ استعمارية جديدة ضد جيرانها العرب عام 1967 . فاحتل الكيان بقية فلسطين: الضفة الغربية التي كانت تابعة للأردن وقطاع غزة الذي كان تابعاً لمصر، كما احتل أيضا هضبة الجولان السورية . ولجأ الإسرائيليون مرة أخرى الى نفس وسائل القمع التي تتبعها حركات الاستعمار الإستيطاني ، حيث اقترفوا المزيد من المجازر ضد المدنيين ، وقاموا أيضاً بتدمير القرى وبزج الفلسطينيين خاصة الأطفال بالسجون ، وبسرقة الأراضي وبناء مستوطناتهم عليها . وأخيراً قاموا بعزل مجموعة كبيرة من المدنيين الفلسطينيين في سجنٍ جماعي في قطاع غزة .
 
نجحت إسرائيل في تقسيم الفلسطينيين سياسياً ، وجعلت من السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية أداةً إسرائيليةً لقمع الفلسطينيين وللقضاء على أي حركة مقاومة لهم . جاءت السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها ضعيفةً وبدون أي سلطةٍ حقيقية ، ومعتمدة مادياً على أموال الضرائب التي تجنيها وتتحكم بها إسرائيل وعلى المعونات المالية الأميركية ، ولذلك فلا خيار أو حرية للسلطة الفلسطينية إلا إتباع الإملاءات الإسرائيلية والأميركية في جميع أعمالها وسياساتها بما فيها معارضة إدارة حماس التي تم انتخابها ديمقراطيا عام 2007 حسب المراقبين الدوليين . وأدى هذا الخلاف السياسي الى عزل حركة حماس في قطاع غزة المحاصر .
 
تعبت العائلات الإسرائيلة وتذمرت من إرسال اولادها الى الحروب خاصة بعد هزائم إسرائيل في حرب أكتوبر 1973 مع مصر وبعد حرب لبنان الثانية عام 2006 حين عانى الجيش الإسرائيلي من خسائر كبيرة في الأرواح بعكس حروبهم السابقة ضد العرب . ولذلك لجأت الصهيونية العالمية الى الحروب بالوكالة(proxy wars) . فتم التخطيط وتنفيد هجومات 11 أيلول 2001 على أبراج التجارة الأميركية وعلى البنتاغون واتهام الإرهاب الإسلامي . وأدت هذه الهجمات الى بداية "الحرب ضد الإرهاب العالمي" ، أو ما أسميته "حملة الإرهاب الأميركية العالمية". فقد استطاع المحافظون الجدد ، وجلهم يهود صهيونيون ثنائيوا الولاء القومي – أميركي إسرائيلي – والمتحكمون في سياسة أميركا الخارجية ، بإقناع إدارة الرئيس بوش الإبن بإرسال الجيوش الأميركية الى الشرق العربي لتدمير العراق الذي شكل خصماً قوياً للكيان الإسرائيلي في المنطقة . كانت هذه أول حربٍ أميركيةٍ من أجل إسرائيل وتبعتها حروبٌ أخرى في السنوات التالية .
 
ساهمت المؤسسة الأميركية لنشر الديمقراطية (American National Endowment for Democracy) بإطلاق الربيع العربي (خريفٌ عربي في حقيقته) الذي تسبب في نشر الفوضى في بعض الدول العربية والى زيادةٍ في عمليات الإرهاب التي أدت الى تغييرات في بعض أنظمة الحكم العربي . وللأسف الشديد قام زعماء عرب لبعض دول الخليج بتمويل وبتسليح إرهابيين قاموا بتدمير ليبيا والعراق وسوريا . وقدمت بعض دول الغرب عروضاً مالية للعراق وليبيا من أجل إعادة بناء البلدين ولكن حسب إملاءات الدول المانحة . وهذا جزءٌ من سياسة "الفوضى الخلاقة" : تدمير البلاد والسيطرة على اقتصادها من خلال تقديم الديون المالية المشروطة . وكذلك دعمت كل من إدارة الرئيسين "أوباما" و "ترامب" التحالف السعودي ومرتزقته في قصف وتدمير المدن اليمنية خلال السنوات الثلاث الماضية .
 
كما حصل لشعوب أميركا الأصليين -الهنود الحمر – الشعوب العربية منقسمة ، مختلفة ، متخاصمة وتحارب بعضها بعضاً . أغيارٌ يحاربون أغياراً بينما يجني اليهود الصهيونيون الأموال من بيع الأسلحة للأغيار العرب ليقتلوا بعضهم بعضاً. وفي هذه الأثناء تتوسع إسرائيل الصهيونية تمددا وفي بناء مستعمراتها على أراض فلسطين بدون أي معارضة من الدول العربية المتحاربة ، بل أن بعض الزعماء العرب يقومون بالتطبيع مع إسرائيل لمحاربة أخوتهم العرب . وفي النهاية وبعد تدمير الدول العربية ستقوم إسرائيل بالقضاء على الحكم العربي الباقي وستكمل المشروع الصهيوني ببناء إسرائيل العظمى لتتحكم أولاً بمنطقة الشرق الأوسط ثم بالعالم أجمع.
 
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هل سيتعلم الزعماء العرب من التاريخ أم سيعيشون أحداثه ؟ هل سيصيبهم نفس المصير القاتم الذي أصاب زعماء شعوب أميركا الأصليين ؟