من الخطأ جداً القول: إن ما يجمع روسيا والصين هو فقط العداء لأمريكا، ومن الغباء جداً أن يعتقد المسؤولون الأمريكيون بذلك، فهذا اعتقاد قاصر.. وخطر على أمريكا نفسها ثم على حلفائها.. لنجرب إعادة تدوير ذلك القول وذلك الاعتقاد.
لماذا يتم استخدام كلمة «عداء» ولا يتم استخدام كلمة ردع أو تصدٍ، فيكون ما يجمع روسيا والصين هو التصدي لسياسات العداء والنهج العدواني الأمريكي ضد كل العالم، لتجرب أمريكا ولو مرة واحدة في تاريخها أن تمد يد السلام والصداقة للدول والشعوب، عندها سيتوقف تماماً توصيف كل تقارب وكل تعاون وكل تحالف على أنه من باب العداء لأمريكا، قد يُصنّف من باب التنافس لتحقيق التطور والرفاهية وهو حق للجميع، وبما يحقق الحماية والأمن، وليس فقط العسكري، بل الاقتصادي ولضمان المستقبل.
هو تنافس وتعاون، وهو ردع وصد وليس عداء.. فقط أمريكا هي من قامت تاريخياً- ومازالت- على نهج العداء للجميع والعدوان على الجميع.
كل قوة تسعى لمضاعفة أمنها وقوتها، وكل دولة تسعى للتحالف ضمن جوارها الإقليمي، وكل دولة تنشد السلام والاستقرار هي بالنسبة للأمريكيين «تهديد» لهم على قاعدة أن السلام والاستقرار والتطور والرفاه الاقتصادي والبشري «حكر لهم»، وعلى من يتصدقون عليه ببعض من ذلك، أمريكا لم تفكر ولن تفكر يوماً في إقامة علاقات طبيعية متوازنة، علاقات تعاون وتكامل مع أي دولة، ولن تتخلى عن نهج العداء والعدوان.
ومع ذلك ليس كل تعاون أو تقارب، وليس كل تحالف أو تجمع هو فقط من باب العداء لأمريكا أو من باب رد هذا العداء، وإلا لما كنا شهدنا ونشهد كيف تمتد وتتعاظم قوة أكثر من دولة على مستوى العالم وليس روسيا والصين فقط، (هناك إيران على سبيل المثال)، و«التحالف» بين روسيا والصين ليس الوحيد، بل هناك أكثر من تحالف أو لنقل تجمعاً دولياً له قوته ونفوذه (منظمة شانغهاي مثلاً ومجموعة بريكس).
لاشك في أنها تجمعات تقلق أمريكا، ولكن هذا القلق لا يُقارن مع ذلك القلق من «التحالف» الروسي- الصيني الذي صنّفه ترامب كخطر قومي، واضعاً روسيا والصين في خانة العدو.. لماذا؟ لنعد إلى مقولتنا بخصوص أنه من الغباء جداً اعتقاد المسؤولين الأمريكيين أن ما يجمع روسيا والصين هو فقط «العداء لأمريكا»، وإذا افترضنا أن هذا صحيح، فهو عداء تستطيع أن تتكفل به روسيا والصين ولديهما من الوسائل ما يكفي لذلك.
ما يُقلق أمريكا ويُثير جنونها ليس هذا العداء (فهي أيضاً لديها من الوسائل ما يكفي للتعامل معه)، ما يُقلقها هو مسألة أن «التحالف» بين روسيا والصين هو «تحالف» مفتوح وليس مغلقاً أو منغلقاً عليهما فقط.. فهو:
أولاً: «تحالف» مفتوح بينهما على أعلى مستويات التعاون وتحقيق التطور والازدهار لكل منهما على حدة ولكليهما معاً.
ثانياً: « تحالف» مفتوح بمعنى أنه يضم أبرز الدول، إذ إن روسيا والصين عملتا على تشكيل أو بالأحرى توفير ما تمكننا تسميته «شبكة أمان» تتعدى رؤيتهما الثنائية باتجاه تحالفات أخرى على مستوى الدول وعلى مستوى المنظمات مثل «شانغهاي وبريكس».
ثالثاً: «تحالف» مفتوح أمام الجميع للانضمام إليه، وعلى قاعدة التكافؤ والمعاملة بالمثل والمنفعة المتبادلة، وليس على قاعدة العداء لأمريكا أو رد هذا العداء.. هذا التحالف المفتوح كفيل برد العداء أو ردعه قبل أن يقع، أي سيكون على الولايات المتحدة التفكير أكثر من مرة قبل أن توجه نيران عدائها باتجاه أي دولة ضمن هذا التحالف المفتوح.
هذا بالضبط كابوس أمريكا حالياً وفي المرحلة المقبلة.. وأكبر مخاوفها أن يكون الأوان فات على الرد أو الاحتواء.

جنباً إلى جنب نعلّم أمريكا والعالم كيف يكون التعاون بين دولتين، هذه كانت رسالة وزير الدفاع الصيني وي فينغ التي حرص على إعلانها منذ اللحظة الأولى لزيارته روسيا لحضور مؤتمر موسكو السابع للأمن القومي يومي 4 و5 من نيسان الجاري.
وبصراحة أكبر وأقوى، زاد فينغ قائلاً: جئت إلى روسيا لتبليغ أمريكا رسالة مشتركة عن الروابط القوية جداً بين بلدنا وروسيا ولاسيما في الوضع الحالي، «لقد جئنا لندعمكم»، قالها متوجهاً إلى نظيره الروسي سيرغي شويغو خلال لقائهما قبل انعقاد المؤتمر (وذلك على خلفية قضية الجاسوس سيرغي سكريبال) وأضاف فينغ: لدينا القلق ذاته تجاه كل القضايا الدولية، الصين وروسيا اليوم ترتقيان بعلاقتهما إلى مستوى جديد، مستوى عالٍ غير مسبوق.. هذه العلاقات عامل مهم لضمان السلام والأمن الدوليين.
كلام واضح لا لبس فيه.. فينغ وضع نهائياً ما تبقى من نقاط على الحروف.
الرسالة وصلت إلى من يعنيه الأمر.. والرد وصل بمزيد من العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية فرضتها أمريكا على روسيا والصين.
من المهم هنا التوضيح أن روسيا والصين لا تستخدمان كلمة «تحالف» وإنما «تعاون واسع النطاق»، أما كلمة «تحالف» فيستخدمها المحللون ووسائل الإعلام عندما يتحدثون عن التقارب الروسي- الصيني وعن توقعاتهم لمستقبل هذا التقارب، وفي كل الأحوال هذه «الكلمة» لم تأتِ من فراغ، حتى وإن كان على المستوى الرسمي في البلدين لا يتم استخدامها.. ولأننا إعلاميون سنستخدمها.
أمريكا.. مكانك راوح
«التحالف» الروسي- الصيني لم يبرز فجأة ولم يتشكل في عام وعامين، ولطالما كانت روسيا والصين تحت عين «المجهر» الأمريكي حتى في الأوقات التي كانت فيها العلاقات عادية تقوم على البعد الأيديولوجي (الشيوعي) فقط.
لكن تاريخياً، ما يجمع موسكو وبكين أكثر مما يفرقهما، وهذا ما لمسته أمريكا لمس اليد في أكثر من محاولة لزرع الشقاق بينهما، دائماً كانت أمريكا تخشى التقارب الروسي- الصيني وتعمل على منعه أو تتحسب له إذا حدث، لكنها وبغباء مطلق كانت أحد أبرز عوامل التقارب، أولاً، لأنها اشتغلت على الجانب الصيني، ظناً منها أنه الطرف الهيّن الذي تستطيع استمالته بسهولة.. مقابل توسيع وتعميق العمل ضد روسيا في داخلها وعلى مستوى علاقاتها مع الدول. ثانياً، لأن العالم تغير وأمريكا لم تتغير، فهي مازالت تعيش أوهام «القوة العظمى الوحيدة » وتتعامل مع الآخرين على هذا الأساس، وبدا أنها طوال العقود الثلاثة الماضية كانت غافلة أو أنها حبست نفسها داخل غفلة عما يجري في العالم لتستفيق فجأة على قوى دولية صاعدة تهددها في عقر دارها وليس فقط كقوة دولية، وكـ«المفترس الجريح» الذي يضرب «خبط عشواء» تصرفت الولايات المتحدة فآذت نفسها أكثر، ثم جاءت إدارة دونالد ترامب لتزيد الطين بلة.
يُقال إن الولايات المتحدة لا تختار رؤساءها عبثاً، الدولة العميقة تجهز مسبقاً الرئيس المطلوب لكل مرحلة، رئيس للحرب ورئيس للسلم، رئيس للتهديد ورئيس للتفاوض، باراك أوباما على سبيل المثال تم تجهيزه منذ عام 2005 لإدارة ملف ما بعد غزو أفغانستان والعراق، ولتكون رئاسة أوباما مرحلة «شبه كمون» أمريكي على الصعيد الدولي (باستثناء المنطقة العربية و«الربيع العربي» وعلى اعتبار أن الساحة العربية مرتع حصري لها، وتالياً لا مجال لصراعات أو منافسات لها من قبل دول أخرى، أي إن ما يجري على الساحة العربية والدور الأمريكي فيها لا يتضاد أو يتعارض مع مرحلة الكمون تلك).
ولابأس أن تشهد هذه المرحلة توقيع اتفاق نووي مع إيران مادام البديل الرئاسي القادم (دونالد ترامب) سينقضه، ومادامت الخطط الأمريكية الموضوعة للمنطقة على قاعدة «الربيع العربي» ستقلب المنطقة رأساً على عقب لتصبح إيران معزولة فيسقط آلياً الاتفاق النووي.
دونالد ترامب كغيره «مُجهز مسبقاً» لإعادة أمريكا إلى «البوصلة» المعتادة في تعاملاتها الدولية (وليس صحيحاً كل ما يُقال عن التلاعب والتدخلات الروسية في الانتخابات الأمريكية بهدف أن يفوز ترامب)، من يعرف أمريكا بعمق يعرف أن لكل مرحلة رئيسها، لكن ما لم يكن في الحسبان وقع، وفي «مرحلة الكمون» تلك أفلتت العديد من القُطب من يد أمريكا، وكلها قطب رئيسة تهدد بتفتّق الثوب الأمريكي العالمي، وهذا كله بسبب أن أمريكا تعامَت عن العالم الذي يتغير لتستمر السياسات نفسها، وعندما جاء ترامب- ربما هو لم يزد الطين بلة- باعتبار أن المحظور وقع وانتهى الأمر.. عندما جاء ترامب لم يكن في الإمكان سوى اعتماد السياسات ذاتها التي يعتمدها أي السياسات القديمة (الاعتماد على الوكلاء- حروب اقتصادية ودبلوماسية- الضغط في منطقة ما لتحصيل مكاسب في منطقة أخرى- الاستفزازات- التلويح بضربة عسكرية وحتى تنفيذ بعضها..الخ)، كلها سياسات قديمة العالم تجاوزها، وأمريكا مازالت في مكانها، وعليه فإن فُرصها في تفكيك أو احتواء «التحالف» الروسي- الصيني هي في الحد الأدنى إن لم تكن معدومة.
أوائل الشهر الماضي، وفي مؤتمره الصحفي العالمي، وصف وزير الخارجية الصيني وانغ يي العلاقات الروسية- الصينية بأنها مثل «جبل لا يتزعزع»، كيف وصلت العلاقات إلى هذا المستوى من القوة، ولماذا أمريكا عاجزة أمامها؟
أولاً: نقاط الارتكاز
فعلياً، رسمت بداية القرن الحالي الـ(21) أول نقطة ارتكاز فيما وصلت إليه العلاقات الروسية- الصينية، وذلك من خلال توقيع معاهدة الصداقة عام 2001 التي أعقبت قمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني جيانغ زيمين.. جاء ذلك مباشرة بعد الحرب الأمريكية على أفغانستان واستقرار القوات الأمريكية فيها، أي استقرارها في الجوار اللصيق تماماً لكل من روسيا والصين، أي «الحيط على الحيط» كما نقول في عاميتنا، وعملياً كانت إحدى أولويات الرئيس بوتين منذ توليه الرئاسة عام 2000 أن يدفع باتجاه علاقات قوية مع الصين.
بعد هذه المعاهدة استمر البلدان في وضع نقاط ارتكاز واحدة بعد الأخرى وأبرزها:
1- العمل على تعزيز وتقوية وتوسيع منظمة شانغهاي (تأسست عام 2001) وتحويلها لمنظمة إقليمية قادرة أمنياً واقتصادياً على إدارة شؤون نفسها ودولها بعيداً عن الهيمنة الأمريكية.. وتحديداً بعيداً عن هيمنة المنظمات المالية الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) اللذين تستعمر بهما أمريكا العالم، إلى جانب روسيا والصين تضم شانغهاي كلاً من: كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان، هذه الدول توصف بأنها قلب العالم.
2- العمل على تعزيز مجموعة بريكس لتتحول إلى مركز قوة عالمي جديد بما يُضاعف ويُوسع ويُشجع على إقامة مراكز قوى تكسر الهيمنة الأمريكية سياسياً واقتصادياً، هذه المجموعة حالياً تبحث إمكانية تأسيس وكالة تصنيف ائتماني مستقلة لتقييم اقتصادات العالم بشكل موضوعي بعيداً عن الوكالات التي تهيمن عليها أمريكا (ستاندرد آند بورز، فيتش، موديز) وما يميز بريكس أنها تمثل سوقاً استهلاكية هائلة بقوة ديمغرافية تمثل 42 بالمئة من سكان العالم (2.887 مليار نسمة) وكانت الصين نجحت في تأسيس «البنك الآسيوي للاستثمار» كذراع مالية لهذه المنظمة وهو يضم حالياً 50 دولة، بينها أهم وأكبر الدول الأوروبية (ألمانيا- بريطانيا- فرنسا) رغم تحفظ واشنطن، إنجازات بريكس تعود بالنفع على نصف سكان الكرة الأرضية، إلى جانب روسيا والصين تضم «بريكس» كلاً من: الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا وهي أسرع دول العالم نمواً وأقلها تأثراً بالأزمات الدولية.
روسيا والصين ركيزتان أساسيتان في نجاح وانتشار «شانغهاي وبريكس» اللتين استطاعتا إرساء قواعد نظام عالمي جديد- اقتصادي ثم سياسي- بعيداً عن اللاعبين الكبار التقليديين الذين أرسوا نظاماً ظالماً جائراً عدائياً لا يسمح بأي دور للقوى الصاعدة أو التي تحاول الصعود.
3- توقيع اتفاقية خط أنابيب الغاز الروسي إلى الصين (عبر سيبيريا) في أيار 2014 بما يؤمن حاجات الصين من الطاقة (وهي أكبر مستهلك في العالم) بعيداً عن الضغوط والابتزاز، في المقابل تفتح روسيا سوقاً جديداً وهي من الدول الكبرى عالمياً في إنتاج الغاز، وأيضاً بعيداً عن الضغوط والابتزاز.
4- اتفاقات استثمارية ومشروعات كبرى في قطاع الطيران والكهرباء والنقل وصناعة السيارات ومشروعات السكن وغيرها.
5- اتفاقات التعاون العسكري ومنها اتفاقية لتوريد نظام الدفاع الصاروخي «إس 400» المقرر تسليمها للصين هذا… والمناورات العسكرية التي ينفذها البلدان (بين بداية 2013 وحتى نهاية 2014 وحدها، أجرى البلدان 6 مناورات أثارت جنون القادة العسكريين الأمريكيين الذين دقوا ناقوس الخطر وبدؤوا يطلقون علناً تهديداتهم (ومخاوفهم) ضد التقارب المتزايد بين روسيا والصين).
ومن نقاط الارتكاز أيضاً:
– البيان الروسي- الصيني المشترك (نيسان 2005) لإنشاء نظام عالمي جديد يتضمن موقفهما حول قضايا دولية رئيسة، مثل إصلاحات الأمم المتحدة، العولمة، التعاون بين الشمال والجنوب، الاقتصاد والتجارة العالمية.
– رسالة بوتين للرئيس هو جينتاو (كانون الأول 2005) التي تحدث فيها عن المستوى غير المسبوق الذي بلغته علاقات البلدين على كل الصعد.
(وللتوضيح فإن البداية الحقيقية التي شعر فيها البلدان بضرورة التقارب والتعاون كان بعد تفكك الاتحاد السوفييتي 1991، قبلها كانت العلاقات قائمة على حسن الجوار، وذلك ما بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949).
ثانياً: خصوصيات مشتركة
1- تنطلق من تاريخ مشترك- منصة إيديولوجية واحدة- رؤية مشتركة للقضايا الدولية- مكانة وثقل دوليين- العضوية الدائمة في مجلس الأمن- حق الفيتو- عضوين في النادي النووي- أسلحتهما تعدّ منافساً شرساً للأسلحة الأمريكية- عضوين رئيسين في شانغهاي وبريكس، وفي اللجنة السداسية الخاصة بملف كوريا الديمقراطية.
2- العلاقات الاستراتيجية التي تجمعهما مع إيران (والتي تُصنف أيضاً من ضمن دول قلب العالم في منطقة غرب آسيا شرق أوروبا)، وإيران فائقة الأهمية لكل من روسيا والصين بدءاً من التعاون الاقتصادي انتهاء بالعسكري، ولكن دائماً على القاعدة نفسها، التكافؤ والمعاملة بالمثل والفائدة المشتركة وهدف السلام والاستقرار والأمن.
ثالثاً: خصوصيات منفردة
أ- بالنسبة للصين:
1- لنبدأ بأهم وأخطر ورقة تمتلكها الصين بمواجهة أمريكا وحربها الاقتصادية الحالية، الصين أكبر حامل لسندات وأذون الخزانة الأمريكية (أي أنها أكبر دائن لأمريكا)، إذ تبلغ قيمتها حسب تقديرات العام الحالي 1168.2 مليار دولار، المحللون الماليون والاقتصاديون يصفون هذه السندات بـ «القنبلة النووية»، ويقول أشهرهم وهو جيف كلنغلهوفر: إذا ما أرادت الصين سحب الصاعق النووي وقررت التخلص من السندات فسيكون لذلك تأثير مدوٍ في أسواق المال الأمريكية.
ولمن يحذر من خطورة هذا الأمر على الصين نفسها، يقول المحللون الماليون: في إمكان الصين بدلاً من هذه الخطوة الشاملة القيام بتقليص حيازتها للسندات الأمريكية، وستكون لذلك أيضاً آثار مدمرة على أسواق المال الأمريكية، عدا عن أن الصين تستطيع الرد بالمثل على الحرب الاقتصادية التي تشنها أمريكا عليها، وإذا ما فعلت الصين ذلك، فإن أمريكا ستشهد أزمات متلاحقة مدمرة.
(مطلع 2012 عندما أعلن أوباما ما سُمي «وثيقة البنتاغون 2012 » التي تنص على نقل الثقل العملياتي الأمريكي من المسرح الأوروبي إلى المحيط الهادي في تهديد علني واضح للصين التي تتعاظم قوتها عسكرياً واقتصادياً.. حينها عنونت صحيفة الشعب الصينية افتتاحيتها بـ «لن يكون في مقدور واشنطن أن تمنع بزوغ شمس الصين».. الأمر نفسه يشبه حالياً الحرب الاقتصادية الأمريكية ضد الصين والجملة نفسها يمكن استخدامها اليوم).
2- تمتلك الصين القوة الناعمة أو الهادئة خصوصاً في الاقتصاد، ولا يستطيع أن يجاريها أحد في هذه القوة وفي قدرتها على الاستحواذ والتأثير والانتشار.
3- وضوح الرؤية السياسية والهدف السياسي خصوصاً في العلاقات مع روسيا أولاً، والولايات المتحدة ثانياً، لا سياسات ملتبسة، لا ازدواجية معايير.. كل شيء واضح مرتب ومنظم.
4- الصين كما يُقال لم تتبع طريق فك الارتباط مع الاقتصادات العالمية، بل دخلت اللعبة الاقتصادية وفق قواعد الطرف الأقوى أي قواعد الأمريكي، وهذه سياسة اتبعتها منذ الثمانينيات وفق المبدأ السابق (القوة الناعمة الهادئة)، وها هي تحصد النتيجة مذهلة وبما لم تتوقعه أمريكا حتى في أسوأ كوابيسها، وحسب التقديرات الأمريكية، فإن الصين إذا ما استمرت على المنوال الحالي فمن المقدر لها أن تتحول إلى قوة عظمى تزيح الولايات المتحدة قبل العقد الرابع من هذا القرن.
ب- بالنسبة لروسيا:
1- تتميز روسيا بالاكتفاء الذاتي وبوجود وفرة فائضة في كل الموارد الطبيعية، وتالياً يصعب التأثير فيها بالعقوبات أو بالحصار أو بالحرب الاقتصادية أو بالسياسية.
2- روسيا موجودة اقتصادياً على الساحة الأوروبية بصورة أكبر من أمريكا وقادرة على التأثير اقتصادياً في أهم حلفاء أمريكا الأوروبيين.
3- القوة العسكرية القادرة على كبح الأمريكي وحلفائه.
4- الدعم الشعبي الذي تحظى به السياسة الروسية في الداخل والخارج، وهذا إنجاز يُحسب تماماً للرئيس بوتين الذي أبدع كما يُقال في جمع الروس خلف سياساته وعلى قاعدة القناعة بأنها سياسة تضمن تفوق روسيا ومنعتها بمواجهة أمريكا وغير أمريكا.
5- بشكل عام، لا تسعى روسيا للهيمنة ولا للتفرد، بل للمشاركة والتعاون.. وفعلياً- وبعيداً عن الصين- تمثل روسيا حالياً الدولة الوحيدة القادرة على معارضة أمريكا سياسياً والوقوف في وجهها عسكرياً، ويُقال إنها تملك كمية السلاح الكافي لتدمير أمريكا 12 مرة على التوالي.
رابعاً: سورية و«الربيع العربي»
في ميزان المراقبين والمحللين الاستراتيجيين، فإن الأزمة في سورية قادت إلى أحد أبرز التحولات الاستراتيجية على الصعيد الدولي في العشرية الثانية من هذا القرن، ويتمثل ذلك في تسريع وتيرة التقارب الروسي- الصيني وتظهيره علنياً واضحاً. .. ولأنه في ميزان المصالح لا يُعدّ أن للصين مصلحة كبرى في سورية، فإن الخطوات المشتركة الروسية – الصينية جنباً إلى جنب فيما يخص الأزمة في سورية أظهرت مقدار التحالف (وليس التقارب فقط) الذي استطاعت إنجازه كل من موسكو وبكين، ولا نعتقد أن أحداً نسي أو سينسى مقدار المفاجأة والصدمة والذهول الذي أصاب أمريكا وحلفاءها (وبقية العالم ونحن كسوريين) عندما كان كل من المندوبين الروسي والصيني يرفعان معاً يدين متحالفتين ضد المشيئة الأمريكية في استهداف سورية.. حدث هذا أربع مرات.
هذا التقارب «التحالف» وضع نقطة الافتراق الكبرى في مؤامرة الربيع العربي وتغيير مساره كلياً أقله على الساحة السورية من جهة، وعلى ساحة الفعل الأمريكي- الغربي وانخفاض قدرته على التأثير من جهة ثانية.
وحتى لا تتشعب التحليلات والتفسيرات وتضع هذا التقارب في غير محله أو تقوده إلى غير ما يريد، أكد الجانبان الروسي والصيني أن موقفهما من سورية ينطلق من رؤيتهما في:
1- تكريس مبدأ السيادة وعدم القبول بالتدخل الخارجي في الشأن الداخلي لأي دولة.
2- رفض تغيير النظم السياسية بالقوة العسكرية أو عبر التدخل الخارجي.
3- ضرورة اعتماد التسويات السلمية لحل الأزمات ولاسيما في المناطق الاستراتيجية.
4- عدم تفسير مفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان بشكل انتقائي استنسابي واستعمال هذه المفاهيم كورقة سياسية لتنفيذ أغراض أخرى.
5- وقف تكتيك التدرج في مجلس الأمن، حيث يبدأ بالإدانة وينتهي بالتدخل العسكري.
(وللتوضيح.. تناولنا الأزمة في سورية فقط في إطار هذا التقارب، لذلك لم نستفض في الشرح والعرض)، وربما كان «التحالف» الروسي- الصيني في ملف الأزمة في سورية هو أكثر ما فتح العين الأمريكية- الغربية على مدى خطورة هذا التحالف باعتباره إيذاناً فعلياً (نوعياً) بتبدل اللعبة الدولية نهائياً وخروجها من امتياز «الحصرية » لأمريكا، وعليه فنحن لن نشهد في المرحلة المقبلة حرباً باردة جديدة كما يُقال، بل ربما ستكون حروباً مستعرة جدا ً(دبلوماسية واقتصادية وعسكرية) عالمية، ولا ضمانات لدى أمريكا أنها ستكون لمصلحتها.