في السادس من تشرين الأول عام 1973 كانت الأمة على موعد مع فجر عربي جديد بدد ليل الانكسار والهزيمة، وفُتحت صفحة مضاءة بالانتصار.
فقد شكلت حرب تشرين التحريرية- وبكل المقاييس- مأثرة عربية خالدة، لم يزدها مرور الزمن إلا مجداً وبهاءً، فهي الصفحة المشرقة في تاريخ العرب الحديث.
«ما أخذ بالقوة.. لا يسترد إلا بالقوة»
مقولة خالدة للرئيس جمال عبد الناصر قالها بعد نكسة حزيران عام 1967، وهزيمة الجيوش العربية على الجبهات الثلاث التي أضعفت الروح المعنوية للمواطن العربي، فكان لابد للقيادات العربية في سورية ومصر من دراسة موضوعية لإعادة الروح المعنوية للجندي العربي، وكذلك المواطن العربي.
فنتيجة الرفض الإسرائيلي المطلق لفكرة الحل السلمي بإعادة الأراضي التي احتلتها «إسرائيل» بالقوة وجدت سورية ومصر أنه لابد من حل عسكري يكسر جمود الموقف، ويضع حداً لحالة اللاسلم واللاحرب ويعيد الأراضي العربية المحتلة.
من هنا جاءت حرب تشرين التحريرية، وكانت بمنزلة مفاجأة استراتيجية كاملة، أمسكت بزمام المبادرة، ودحرت «الأسطورة» التي نسجتها الدعاية الإسرائيلية والدعايات المؤيدة لها عن قوتها «التي لا تقهر».
لم تكن هذه الحرب حدثاً عابراً، بل كانت نقطة انعطاف وتحولاً نوعياً في الصراع العربي- الصهيوني استطاع العرب خلالها أن يحققوا جملة من الإنجازات التي تعد في عالم السياسة والحرب أوسع خطوة، وأوثق تحرك استطاع العرب القيام به في تاريخهم المعاصر.
كانت هذه الحرب المنعطف التاريخي الذي ردّ الاعتبار للإنسان العربي ونقله من متاهات التراجع والانهزام إلى مواقع القوة والمبادرة.
وقد أثبت التاريخ أن الأمة التي أنجبت الرئيس جمال عبد الناصر هي نفسها التي أنجبت القائد المؤسس حافظ الأسد، وكانت الحركة التصحيحية في 16/11/1970 حيث بدأ التوجه العملي لإعداد العدة لخوض حرب تحرير بعد استكمال مقومات النصر، في الوقت الذي كان فيه العدو الإسرائيلي ومازال يعيش «نشوة» ما حدث في حرب حزيران ويصدق أكذوبة ألصقها بجيشه «أنه لا يقهر».
من هنا جاء التنسيق والتخطيط للقيادتين السورية والمصرية لخوض هذه الحرب لاستعادة الأرض المحتلة.
حرب تشرين التحريرية عام 1973 كانت جزءاً من الصراع العربي- الصهيوني الذي تضمن العديد من الحروب منذ عام 1948، وقد أمضت «إسرائيل» السنوات الست التي تلت حرب 1967 في تحصين مواقعها في الجولان السوري المحتل بإقامة خط «آلون» وعلى الجبهة المصرية خط «بارليف»، وساهمت آلة الإعلام والأبواق الدعائية المعادية والحرب النفسية الصهيونية في التهويل من «تفوق» الجيش الصهيوني وفي الوقت نفسه عزفت هذه الأبواق على تصوير العرب على أنهم «متخلفون فاقدو القدرة على اتخاذ أي قرار يتعلق بالحرب» وسط حالة من الانقسام والتجزئة.
أول مرة في تاريخ العرب الحديث يُتخذ قرار بشن الحرب، وتحقيق المفاجأة باتفاق أعد جيداً من القيادتين السورية والمصرية السياسية والعسكرية، وكان من نتائج هذه الحرب جملة معطيات:
أولاً- تجسد التضامن العربي في أبهى صوره في دعم الجيشين السوري والمصري، وشاركت بعض الجيوش العربية في هذه الحرب.
ثانياً- تم اتخاذ قرار عربي باستخدام سلاح النفط.
ثالثاً- أول مرة في تاريخ العرب يحدد هدف للحرب وهو تحرير الأراضي العربية المحتلة وإزالة آثار العدوان.
رابعاً- أسقطت هذه الحرب الدعاية الصهيونية التي كانت تروج أن العرب «لا يجرؤون» على شن حرب.
خامساً- أول مرة ينجح العرب في التخطيط الجيد لشن الحرب، ونجحوا أيضاً في التمويه لذلك، وبقيت سرية حتى إعلانها، برغم قدرة العدو والدول المتحالفة معه على استخدام تقنيات التجسس واستخدام الأقمار الصناعية في رصد النشاط العسكري للجيشين العربيين السوري والمصري، وكان الإعداد الجيد للحرب من القيادتين في سورية ومصر السبب الرئيس في تحقيق النجاحات الباهرة على جبهتي القتال.. بدأت الحرب بتوقيت واحد هو الساعة الثانية بعد ظهر يوم السبت السادس من تشرين الأول عام 1973 الموافق العاشر من شهر رمضان المبارك، ولا أحد ينكر أن سورية ضحّت في اختيار التوقيت الذي كان ملائماً للجبهة الشرقية أي للقوات المصرية، في حين كان المناسب للقوات السورية أن تبدأ الحرب مع شروق الشمس لوضوح الرؤية.
تحقق النصر المؤزر للجبهتين الشمالية والشرقية في الأسبوع الأول، إذ فشلت «إسرائيل» في استيعاب الضربة السورية- المصرية المزدوجة، وأطلقت «غولدامائير» رئيسة وزراء العدو آنذاك نداءها الشهير للولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، «أنقذوا إسرائيل»، وأول مرة تظهر صور الجنود الأسرى الصهاينة على وسائل الإعلام العالمية لتثبت أن العرب قادرون على صنع النصر.
نجحت القوات المصرية في اختراق خط «بارليف» الحصين خلال ست ساعات فقط من بداية الحرب، وأوقعت خسائر كبيرة في القوى الجوية الصهيونية، ومنعت القوات المعادية من استخدام أنابيب «النابالم» بخطة مدهشة.
كما نجحت القوات السورية في الساعات الأولى من بدء المعركة من اختراق الدفاعات المحصنة للقوات الإسرائيلية «خط آلون» واحتلال مرصد «جبل الشيخ» المنيع والتوغل في قطاعات الجبهة كلها، وتكبيد القوات الإسرائيلية الخسائر الفادحة في العديد والعتاد والأسرى.
وقد مهدت المدفعية السورية لهجوم المدرعات والمشاة بقصف استمر ساعة متواصلة بمشاركة حوالي 1000 مدفع في حين كانت الطائرات تدك مواقع العدو وتجمعاته من ارتفاعات منخفضة واستطاعت القوى الجوية والدفاع الجوي السورية يوم 11/10/1973 إسقاط 90 طائرة معادية، وكانت أكبر معركة بالدبابات حصلت في التاريخ على أرض الجولان المحتل، وقد دخلت القوات البرية بعمق 20كم في الجولان حتى وصلت إلى بحيرة طبريا..
وزير الحرب الصهيوني «موشي دايان» آنذاك قال:
«لقد فقد طيراننا زمام المبادرة.. إن الطيران العربي يسود الآن أجواءنا، وعدد القتلى كبير جداً، والمعركة طويلة وقاسية، وخسائر «إسرائيل» فيها كبيرة، ولا أحد يعرف كيف ستنتهي».
في ذكرى حرب تشرين التحريرية تتسابق الحروف لتحكي ملامح بطولية وإنجازاً عظيماً، هو الأنصع في تاريخ أمتنا العربية في القرن العشرين وتبحث عن مفردات ترسم ملامح الملحمة التي خطط لها القائد المؤسس حافظ الأسد صانع حرب تشرين.
واحتفاؤنا هذا العام بذكرى هذه الحرب وسط جملة من المتغيرات الدولية التي فرضت نفسها على المنطقة والعالم وتستهدف وجودنا وتدمير وطننا وإعادته إلى فلك الاستعمار، يتطلب منا الوقوف عند معانيها ودلالتها ويأتي في المقدمة منها الوقوف خلف قيادتنا الحكيمة، وجيشنا الباسل المغوار.
إن حرب تشرين التحريرية ستبقى إحدى معارك العرب القومية الخالدة، نستلهم منها معاني العزة والكرامة، فسورية ستبقى الضامن الرئيس لاستعادة الحقوق العربية المغتصبة، وإن ما تتعرض له اليوم من مؤامرة قذرة هو بسبب ثبات مواقفها الوطنية والقومية، ولكن المتآمرين نسوا أو تناسوا أن سورية لم تكن يوماً، ولن تكون إلا رمزاً للصمود والشموخ العربي، وأن مخططات التآمر، مهما تعددت أشكالها وتلونت أساليبها، لن تزيد شعبنا إلا قوة وصلابة وتلاحماً. إن جيشنا البطل الذي سطر الملاحم في حرب تشرين مستمر في أداء دوره الوطني النبيل حتى وأد الفتنة وإسقاط المؤامرة لتبقى سورية قلعة العروبة الصامدة وتبقى راية في سماء وطن شامخ يعلو بنيانه ويبحث عن تشرين آخر للنصر.