خبر عاجل

ملاحظات قانونيه على هامش قراري مجلس الامن الدولي والجمعيه العامه

ملاحظات قانونيه على هامش  قراري مجلس الامن الدولي والجمعيه العامه

نشر الاربعاء 27 ديسمبر, 2017 في تمام الساعة 20:04

     pelest news * موقع بيلست الاخباري    

            القدس عاصمة فلسطين الأبدية

 

ملاحظات قانونيه على هامش

قراري مجلس الامن الدولي والجمعيه العامه

                                                

                                                د. انيس فوزي قاسم

 

ثار نقاش طويل على هامش صدور قراري مجلس الامن الدولي والجمعيه العامه للامم المتحده المتعلقين بقرار الرئيس الاميركي ترامب حول الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل. سوف لا نتعرض لقرار الرئيس، فقد صدر القرار الاممي الاخير شارحاً بما يكفي اسباب عدم قانونيته. ويقتصر الحديث حول مسألتين يثور حولهما النقاش: الاولى تتعلق بمضمون مشروع القرار المقدم الى مجلس الامن الدولي عن طريق المندوب المصري، والثانيه خاصه  بصدور القرار عن الجمعيه العامه للامم المتحده  تحت بند "الاتحاد من اجل السلام" ومدى الزاميته. وتفصيلاً لذلك، سوف نتناول المسأله الاولى ودور المندوب المصري. وبداية، لابدّ من التأكيد على ان ما سوف اورده لا يستند الى معلومات حول ما جرى، بل يستند الى قراءة لنص الميثاق، والى المعرفه العامه بما يجري عادة في كواليس واروقة مجلس الامن الدولي.

 

ان المأخذ الاساسي على المشروع المصري – كما يقول النقّاد- انه أغفل ذكر الولايات المتحده والاشاره الى قرار الرئيس ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، ولو فعل ذلك لما تمكنت المندوبه الاميركيه من ممارسة حق الفيتو. والرد على ذلك ليس دفاعاً عن مصر، سيما ولا معلومات لدي تؤهلني للنقد او المديح، بل يقوم الرد على نقتطين. الاولى ان نص الماده 27، الفقره (3) منها تشترط، لكي تمتنع دوله عن التصويت، ان تكون الدولة "طرفاً في النزاع". والسؤال هل كان هناك "نزاع" بين مصر والولايات المتحده حين تمّ طرح مشروع القرار؟!، وان كان ثمة "نزاع" فما هي طبيعته وحدّته وخطورته، وكيف سوف يتم تعريف "النزاع" حتى يسمح او يمنع الدوله المعنيه من التصويت.

 

لا جدال في انه كان بالإمكان اثارة مسألة "النزاع" بين مصر والولايات المتحده، سيما وان القدس قضيه عربيه اسلاميه وتتأثر مصر، سلباً وايجاباً، بهذه القضيه وبكل القضيه الفلسطينيه وهي جزء أساسي من قضية "الشرق الاوسط" التي جاءت معاهدة كامب ديفيد لحلّها. ويجب ان نستعيد تجربة مصر في العام 1951 حين منعت السفن الاسرائيليه من العبور في قناة السويس اذا كانت تحمل مواداُ حربيه لاسرائيل. وحين طرح الموضوع على مجلس الامن الدولي طلبت مصر امتناع هولندا وتركيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحده من المشاركه في التصويت لأن هناك "نزاع" بين هذه الدول من جهه، ومصر من جهة اخرى. وشرح الدكتور محمود فوزي موقف مصر وقال ان هذه الدول بعثت باحتجاجات على تصرف مصر، بينما مصر كانت تتصرف ضمن حقوقها بموجب اتفاقية قناة السويس وطبقاً لاتفاقية الهدنه الموقعه مع اسرائيل في العام 1949. وبغض النظر عن النتيجه التي اسفرت عنها تلك المناقشات في تلك الفتره، الاّ ان هذا النقاش لو فتح في الجلسه الاخيره لمجلس الامن فانه سوف ينحرف بالدول ذات العلاقه سيما مصر (والمجموعه العربيه) مع الولايات المتحده (وربما الدول الغربيه في المجلس) ويتركز على تعريف "النزاع"، وتصبح مسألة الاعتراف بالقدس ثانويه. وعلى الارجح ان المندوب المصري، ومعه المندوبون العرب، فضلوا المضي بالتصويت دون الدخول في تعريفات فقهيه حول معنى "النزاع".

 

وثمة تساؤل آخر يُطرح: هل كان الوفد المصري، وهي الدوله العربيه الوحيده في مجلس الامن الآن، ليقبل طرح مشروع القرار لو ورد النص صراحة  في مشروع القرار على ذكر اسم الرئيس ترامب او اسم الولايات المتحده؟ وربما يمكن القول – ولو مجرد تخمين – ان مصر لم تكن على استعداد لذلك بسبب الظرف السياسي السائد حالياً.

 

اما النقطه الثانيه التي يجب ان تكون تحت نظر المهتمين بالأمر وهو ان الممارسه العمليه في اروقة مجلس الامن الدولي تجري على نحو ان الدوله صاحبة المشروع المطلوب التصويت عليه، تبدأ عادة باستدراج ردود فعل مندوبي الدول على الاقتراح قبل الوصول الى مرحلة التصويت. وهنا تبدأ الصفقات. بعض الاعضاء سوف يقولون – على سبيل المثال- اذا ذكرتم اسم الرئيس الاميركي، سيكون من الصعب علينا التصويت على المشروع، وربما يقترح البعض الاخر حذف تعبير ما أو اضافة جمله ما لكي يتمكن من التصويت على المشروع. وعلى الدوله صاحبة المشروع أن توازن في نهاية الامر بين كل ردود الافعال الوارده لها من الدول الاعضاء، وكل ما عليها ان تضمن حصولها على موافقة "اصوات تسعه" من اعضاء المجلس على "ان يكون من بينها  اصوات الاعضاء الدائمين متفقه." (الماده 27/3 من الميثاق) . وعند التصويت حصل المشروع المصري حقيقة على اربعة عشر صوتاً الاّ انه سقط بالفيتو لأن الاعضاء الدائمي العضويه كانوا جميعاً متفقين الاّ المندوب الاميركي الذي مارس حق النقض. ( مع العلم ان امتناع عضو من الاعضاء دائمي العضويه عن التصويت لا يؤثر في نتيجة القرار).

 

ولو افترضنا ان المشروع ذكر صراحة القرار الاميركي، لربما كان سقط بعدم الحصول على تسعة اصوات ابتداءً وذلك على اساس افتراض ( دون علم يقيني) ان بعض الدول ربما كانت ستمتنع عن التصويت بسبب ذكر اسم الولايات المتحده تحديداً او اسم الرئيس الاميركي تخصيصاً.

 

اما المسأله الثانيه التي انتشرت كالنار في الهشيم في ضوء صدور قرار الجمعيه العامه حول الاعتراف الاميركي، فهو الزعم ان القرار بصدوره في جلسة استثنائيه وعلى سند من القرار الاممي رقم (v) 377 المعروف باسم "الاتحاد من اجل السلام"، يكون قراراُ ملزماً، حتى ان البعض قال انه يعادل في الزاميته قرار مجلس الامن الدولي طبقاً للفصل السابع من الميثاق.

 

هذه مقوله غير دقيقه وتحتاج الى تفكيك. وباعتبار انها مقولة تجد سندها في القرار المعروف بـ "الاتحاد من اجل السلام" يجب العوده الى ذلك القرار والتعرف على خلفيته. فقد صدف اثناء الحرب الكوريه ان كان الاتحاد السوفياتي يترأس جلسات مجلس الأمن الدولي، وبهذه الصفه كان قادراً على احباط اية محاوله اميركيه لطرح المسأله الكوريه على جدول اعمال المجلس. ومن هنا لجأ دين اتشيسون، وهو من المع وزراء الخارجيه الاميركيين، الى الجمعيه العامه وطلب عقدها في جلسة طارئه وذلك بسبب تعطيل النقاش في مجلس الامن. وكانت تلك المره الاولى التي يطلب فيها عقد "جلسه طارئه" وذلك لمناقشة تشكيل "قوة رقابه" لمراقبة الوضع في كوريا. وفي 3/11/1950 صدر القرار رقم (v) 377عن الجمعيه العامه التي "قررت ... تقديم التوصيات الملائمه الى الاعضاء لاتخاذ اجراءات جماعيه...". وهكذا لم يرد النص على "الطلب" أو "الأمر" أو "تفوّيض" الدول باستخدام القوه. فالنص مقتصر على تقديم "التوصيات" ليس إلاّ. والقرار لم "يلزم"  كذلك أي دوله بارسال وحدات قتاليه، بل هي قوات لحفظ السلام او الرقابه على خطوط الهدنه، ومن هنا انشأ القرار لجنه من الخبراء العسكريين لقيادة تلك الوحدات، ولكن قيادتها في عمليات الرقابه وليس في عمليات عسكريه. وطلب وزير الخارجيه الاميركي اساساً كان مقتصراً على طلب "قوة رقابه" وليس قوات مسلحه لاستخدام القوه. ذلك ان حق استخدام القوه لا يتم، طبقاً لميثاق الامم المتحده، الاّ بتفويض من مجلس الامن الدولي وبقرار صادر بموجب الفصل السابع حصراً، والجمعيه العامه لا تملك صلاحية اكثر من تقديم "توصيه" لاعضاء المنظمه الدوليه او لمجس الامن طبقاً لاحكام الماده (10) من الميثاق. ولا يجوز للجمعيه العامه ان تتطاول على صلاحيات مجلس الامن او مزاحمته في استخدام صلاحياته. ومن هنا يمكن القول ان الرأي الذي يتم تداوله حاليا ان قرار الجمعيه العامه الاخير الصادر تحت بند "الاتحاد من اجل السلام" هو قرار ملزم، فيه تجاوز على الحقيقه ولا يجد له سنداً في الميثاق او في نص القرار رقم  (v) 377 في الممارسه العمليه.

 

وتطبيقات القرار "الاتحاد من اجل السلام" التي تلت صدوره تشهد انه قرار استخدم في قوات حفظ السلام او الرقابه الدوليه، وكان اول استخدام له في اعقاب العدوان الثلاثي على مصر، حيث تمّ تشكيل قوات دوليه لمراقبة وقف اطلاق النار، واستخدم كذلك في انشاء قوات حفظ السلام في الكونجو، وهنغاريا ومرتفعات الجولان وفي الحرب الهنديه الباكستانيه واستخدم كذلك في ادانة الممارسات الاسرائيليه في الاراضي المحتله، الاّ ان القرار لم يصدف وان كان ذو صفة الزاميه او انه استخدم في حالة "استخدام القوه" لحمل دوله على التقيد بقرار صادر عن مجلس الامن او الجمعيه العامه. ولو كان يحمل صفة الالزام – كما يزعم البعض – لكان اولى الدول باستخدامه هي الدول العربيه "لالزام" اسرائيل بالتقيد بعشرات القرارات الصادره عن مختلف اجهزة الامم المتحده، ومنها قرارات صدرت بموجب "الاتحاد من اجل السلام." وهذا لم يحصل مما يجيب على نحو وافٍ على كل الاقوال التي تقول بالزاميته.