خبر عاجل

"قضايا الشرف" تُلاحق النساءَ "قاتلاتٍ ومقتولات"

"قضايا الشرف" تُلاحق النساءَ "قاتلاتٍ ومقتولات

نشر الأحد 14 يناير, 2018 في تمام الساعة 14:53

      pelest news * موقع بيلست الاخباري    
         القدس عاصمة فلسطين الأبدية

في سيارةِ أجرةٍ سائقُها عجوزٌ بدا الحديث جاذباً للرّكاب، حين ادّعى رجلٌ أنه جارُ آخرٍ راح ضحيةً لزوجته القاتلة. تسمّرت الملامح وأطرقت الآذان لتستمع إلى القصّة التي "ستكون أكثرَ تصديقاً" كون الرجّل "جار الضحيّة".

بابتسامةٍ باردةٍ تبعت نكتةً سمجة حول خوفِ الرجال من النساء بعدَ حادثة قتل وتقطيع أحد الأزواج، قال السائقّ "لأنّه مسكها مع واحد تاني، قتلَته عشان ما يفضحها، وأنا أشهد بالله هالزلمة طيّب وعلى باب الله".

قاطعه أحد الركاب "سمعنا أنه كان بدّو يتزوج عليها، وإنه كان ياخد مصاريها غصبن عنها"، ردّ السائق بحدّة "كذب، الزلمة كبير بالعمر، وهي صبية.. بدهاش تفسير".

هذا حوارٌ من حواراتٍ أخرى لا زال الناس يتداولونها فيما بينهم، بعد خبر مقتل مواطن من عائلة دلّول على يد زوجتِه، مطلع يناير الجاري، والذي تكشّفت مُلابساتُه بعد مرور أسبوعٍ على الجريمة، وفق ما أعلنته المصادر الشرَطيّة بغزّة.

قذفُ النّساء بأخلاقهنّ هو أوّل ما يتردّد عقب كلّ جريمةِ قتلٍ، ترتكبُها أو تروحُ ضحيتَها امرأةٌ، وهذا يتّضح جليّاَ بمجرّد الاستماع للإشاعات التي تتناول مثل هذه الجرائم. فما إن يصحو قطاع غزة على جريمةٍ تكون فيها الضحيّة أو الجانية فتاة أو سيّدة حتى تنكال عليها الاتّهاماتُ بأنّها السبب؛ فهي إما "غيرَ سويةِ الأخلاق، وقاتلها ضاجَ بفعلها" وإمّا "أُمسكت بالجرم المشهود، وخافت من الفضيحة فقتَلت".

وبعد مقتل الزوج دلّول انتشرت بين المواطنين وعبر مواقع التواصل الاجتماعي الكثيرُ من المعلومات، حول عمر الضحيّة والجانية والشريك بالجريمة، وصولًا لحيثيّات ارتكابها، التي طابقت إلى حدٍ كبير روايةَ الشرطة.

الناطق باسم الشرطة أيمن البطنيجي برّر تطابق المعلومات هذا بالقول "إنّ مجتمع غزة ضيقٌ، والناس فيه تعرف بعضها البعض، فيكفي أن تنشر عائلة المجني عليه المعلومات التي لديها، حتى تتضّح سائر التفاصيل لسكان القطاع"، لافتًا إلى أنّ الشرطة تُراعي سرية التحقيقات في جرائم القتل.

وقال البطنيجي في حديثه لـ"بوابة الهدف": إنّ العديد من الإشاعات تُثار حول جرائم القتل، لكنّها تكون غير صحيحة، لذا حرىٌ بوسائل الإعلام نقلُ بيان الشرطة فقط، والتي تكون معنيّة بتزويد الجمهور بالمعلومات الحقيقيّة، ونفي المغلوطة.

روايةُ الشرطة، وفي كثيرٍ من الأحيان، لا تكون مقنعةً للمواطنين، خاصةً من يعتبرون أن "النساء أقلّ عقل وحكمة من الرجال"، لذا تضطرّ عائلات الضحايا إلى إصدار بيانات تُبرّئ أبنائها، ضحايا أو جُناة.

الشاب يوسف عاشور، قُتِلت شقيقتُه سَعدة على يد زوجها بعدَ إنجابها ابنَها بأيامٍ، وكانت أوّل الشائعات التي تردّدت عقب هذا أنّ السبب هو شكُّ زوجها بها كون الرّضيع "أبيض البشرة وجميل"، وهي إشاعةٌ تصدّت لها عائلتا المجني عليها الجاني معًا، وفق ما ذكره الشاب.

عاشور قال في مقابلةٍ مع "بوابة الهدف": بعد انتشار خبر الجريمة وقبلَ استكمال التحقيقات وجدنا أنّه علينا تبرئة شقيقتي من الاتّهامات التي سارع الناسُ لكيْلها عليها، زورًا وبُهتانًا، بإرجاع سبب قتلها إلى شكّ زوجها بها.

وتابع "عائلة زوجها كذلك خرجت ببيانٍ أكّدت فيه أنّ ابنهم لم يكن بوعيه وقتَ ارتكابه الجريمة"، مُضيفًا أنّ تحقيقات الشرطة أثبتت لاحقًا أنّ الزوج ارتكب الجُرمَ بدون إدراكٍ منه، إذ  كانَ تحتَ تأثير عقارٍ ما"، لافتّاً إلى أنّ "حكمة وعقلانية عائلة القاتل أخرجت شقيقته من شبهةٍ مسّت أخلاقَها، لُفّقت لها بعد مقتلها".

مديرةُ مركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة زينب الغنيمي قالت "إن المجتمع الفلسطيني يكيل بمكياليْن في قضايا العنف في المجتمع المبنية على أساس النوع الاجتماعي، فدائمًا يسألون: لماذا فعلت الجانية ذلك -إن كانت الجانية- وإذا كانت المجنيّ عليها  يتساءلون أيضًا: ماذا فعلت ليحدث معها هذا".

الغنيمي لفتت، في مقابلةٍ أجرتها "بوابة الهدف"، إلى أنّ الجهات الرسمية تتعامل مع القضايا المُشابهة وفقَ ضغط الرأي العام، الذي ينطلق من الصورة الذهنية المرسومة للمرأة بأنها هي التي تستفزّ الرجل ليضربها ويعتدي عليها، وقالت "في أدنى مستويات العُنف تُسأل النساء في مراكز الشرطة: لماذا ضُربتِ، وهذا السؤال يعني أنّ هناك استعدادًا للتغاضي عن إدانة الرجل إذا ما كانت المرأة هي السبب".

كما أوضحت أنّ "التصريحات الرسميّة التي تُبنى على أقوال الشهود وأهالي الضحايا أو الجناة لا يُعتدّ بها، فالثابت من حيثيّات القضيّة لا يُعلَن إلّا بعد انتهاء التحقيقات فيها".

"ماذا يعني أن تُقتل امرأةٌ أثناء تنظيف زوجها سلاحَه! ولماذا لا تموت إلّا النساء بتنظيف الأسلحة!، وإن لم يكن قتلها خطأً، لماذا تُكال الاتهامات لها على الفور بأنّ خلفيّة الجريمة أخلاقيّة؟!" تساءلت الغنيمي، التي أفادت بأنّ 1500 سيّدة قدمت شكاوى خلال الشهور الستّ الأخيرة في مراكز الشرطة بمحافظات قطاع غزة، طلبًا للحماية بعدَ تعرضهنّ للعنف الجسدي أو الجنسي، ناهيكَ عن النساء اللواتي يتعرضنَ للعنف ولا يتمكّنون من تقديم شكوى، وهُنّ –بفعلِ هذا- مُعرضاتٌ لأنّ يُصبِحنَ ضحايا أو جُناة فيما بعد.

الاتّهام الأخلاقي ذاته الذي طال سعدة عاشور طال الضحيّة رشا أبو نحل بعدَ أن شنقت نفسها، قالت صديقتُها -التي فضّلت عدم ذكر اسمها- "رشا جميلةُ الملامح، وصغيرةٌ في العمر، وزوجها سيئ السمعة، وهو مدمن على المواد المخدّرة، وأنا على يقينٍ بأنّها قتلت نفسها لترتاح من حياتها الصعبة، بينَ أبٍ يضربها إن لجأت له هاربةً من بطش زوجها، وزوجٍ يُعنّفها بشدّة".

"رشا كانت الزوجة الثالثة للرجل، الذي تُوفيت زوجته الأولى بصورة طبيعيّة فيما طُلّقت الثانية بعد أشهر من الزواج، ورشا قتلت نفسها" قالت صديقتها محاولةً تكذيب الأخبار التي طالت الراحلة بعد مقتلها، والتي تضمّنت دنيء الاتّهامات بشأن أخلاقها وسُمعتها.

"المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان" نشر احصائيةً وثّقت جرائم القتل التي وقعت خلال العام 2016، بيّنَ فيها أنّ عدد المقتولات من النساء كان 6 ضحايا، والمقتولين من الرجال 9. وأشارت الإحصائية إلى أنّ الأسباب الرئيسية لقتل النساء وفقَ ما تمّ رصدُه تنوّعت بين: الخلافات الأُسريّة، القتل بدافع السرقة، والقتل بالخطأ. فيما لم تذكر في أيّة واقعةٍ أنّ القتل كان على خلفية "الشرف"!.